جدري القرود يقترب من لبنان… فهل من داع للهلع؟

by | مايو 25, 2022 | الأخبار, الأمراض

في وقت حذر فيه رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس من أن العالم يواجه تحديات “هائلة”، تشمل جائحة كوفيد والحرب في أوكرانيا و”جدري القرود”، كان خبراء المنظمة التابعة للأمم المتحدة يدرسون تفشي مرض جدري القرود المستجد انتشاره في 15 دولة خارج إفريقيا، في حين نفت وزارة الصحة اللبنانية وجود حالات مؤكدة أو مشتبهة من مرض جدري القرود في لبنان “حتى تاريخه”.

ولا ينتشر فيروس جدري القرود – وهو الفيروس الأكثر شيوعًا في المناطق النائية في وسط وغرب إفريقيا- بسهولة بين الناس وعادة ما يكون المرض خفيفًا. لكن انتشاره في دول أوروبية وفي كندا وأميركا وأستراليا، وتوصيفه في خانة “التحديات”، يطرح مخاوف وعلامات استفهام عدة، ليس لبنان واللبنانيون بمنأى عنها بطبيعة الحال!

فما هي المعلومات التي يعرفها الطب عن هذا الفيروس؟ وهل العالم اليوم يواجه مشروع “جائحة جديدة”. هو الذي لم يتعافى من تداعيات جائحة كورونا بعد؟

بيان وزارة الصحة
وعلى عكس جائحة فيروس كوفيد “المستجدة” والتي لم يكن الأطباء يعرفون عنها بل يتعرفون إليها، فإن فيروسات “الجدري” معروفة عبر التاريخ.
من جهتها، أكدت منظمة الصحة العالمية أنه “من الممكن السيطرة على تفشي جدري القرود ووقف انتقال العدوى بين البشر”. وقالت المسؤولة عن الأمراض الناشئة لدى منظمة الصحة ماريا فان كيرخوف “نريد وقف انتقال العدوى بين البشر. يمكننا القيام بذلك في الدول التي لم يتفش فيها.. إنه وضع يمكن السيطرة عليه”.
بدورها، عرّفت وزارة الصحة اللبنانية مرض جدري القرود بأنه “مرض فيروسي ينتقل عبر: مخالطة مباشرة لحيوانات مصابة (دم، إفرازات مخاطية…)، مخالطة مباشرة لإنسان مصاب عن طريق جزيئات الجهاز التنفسي التي تتخذ شكل قطيرات تستدعي عادةً فترات طويلة من التواصل وجهاً لوجه، أو من خلال إفرازات الجهاز التنفسي لشخص مصاب بعدوى المرض أو لآفاته الجلدية أو ملامسة أشياء لُوِّثت أخيراً بسوائله وإفرازاته”.
وأشارت إلى أنّ “فترة حضانة المرض تُراوح بين 5 أيام و21 يوماً ولا ينتقل المرض خلال هذه الفترة”. ملخّصةً أعراض المرض “بحمى وصداع وتضخّم العقد اللمفاوية وآلام في الظهر والعضلات ووهن شديد بالإضافة إلى ظهور طفح جلدي”.
بماذا إذاً يختلف جدري القرود عن كورونا؟ وما الذي يجعل منظمة الصحة العالمية متفائلة لناحية احتوائه؟ وكيف يمكن للبنانيين تجنب التعرض للعدوى بهذا المرض؟

أديب: ليس مرضاً مستجداً

وفي حديث صحافي يلفت البروفيسور أستاذ علم الوبائيات وطب المجتمع في الجامعة الأميركية في بيروت سليم أديب، إلى أن فيروس “جدري القرود” يتفرع من فئة الـpox viruses أو فيروسات الجدري وهي طفح جلدي قد ترافقه حرارة.
وفي حين أنّ الـsmall pox “تم القضاء عليه نهائياً”، من خلال طعم تم تصنيعه من فيروس الجدري الذي يصيب البقر الـcowpox ، فإن “جدري المياه” المعروف في لبنان ((chicken pox، يصيب الأطفال ويتسبب لهم بطفح.
أما “جدري القرود” أو monkey poxفهو نمط خاص بالقرود، وهو من وقت لوقت ينتقل من الجنس الحيواني للبشر في ظروف خاصة بالمجتمعات البشرية التي لديها احتكاك واسع مع الحيوانات.
وجدري القرود هو مرض موجود بين القرود، وهو يقطع الحدود من الحيوان للإنسان، ويصيب البشر لا سيما في منطقة أفريقيا الوسطى. والفارق اليوم هو أن هذه الحالات كان انتشارها محدوداً في السابق بسبب المسافات والمدة الزمنية التي يستغرقها السفر من دولة لدولة، إذ كان المريض يسافر في آخر أيام اصابته ويكون قد شفي عند وصوله لبلد آخر. بينما مع نمط الحياة السريع اليوم، باتت وتيرة انتشار المرض أسرع، وهذا ما يفسر التخوف من انتشاره عالمياً ووصوله للبنان.
وحتى الساعة، لم تعلن منظمة الصحة العالمية عن مرض جدري القرود كـ”وباء”، فهو “ليس حالة خطرة ترقى إلى جائحة، والترويج على أننا يمكن أن نعيشها في لبنان على شكل أزمة صحية خطرة، ليس صحيحاً”، يطمئن أديب.

كيفية الوقاية

وهناك فوارق جوهرية بين جدري القرود وكوفيد-19، وأحدها الوقاية من الفيروس. فمثلاً، وخلال المرحلة الصامتة لمرض جدري القرود التي قد تتراوح بين أسبوعين وثلاثة، لا يكون المريض معدياً. بينما، وبمجرد أن يبدأ الطفح وتظهر حبيبات فيها سائل قيحي أحيانا، يصبح المريض مصدراً للعدوى، يؤكد أديب.
إذاً وعلى عكس المصابين بكورونا الذين يحتاجون لفحص الـPCR لمعرفة إصابتهم من عدمها، فإن مصابي جدري القرود يظهر المرض عليهم بشكل مرئي، ما يسهّل عزلهم لأنفسهم من جهة، وعدم اختلاط الآخرين بهم من جهة أخرى في فترة المرض.
فالسائل من الحبيبات الجلدية مصدر عدوى وكذلك اللعاب بكمية كبيرة، فالقبل تصبح وسيلة للعدوى كما الرابط الجنسي، لكن “ليس بالرذاذ البسيط ينتقل المرض، على عكس فيروس كوفيد الذي ينتقل بالنفس”، يوضح أديب.

والوقاية بسيطة جدا، يقول أديب، “فالشخص الذي يظهر عليه الطفح وهو عائد من السفر، لا داعي لتقبيله والاحتكاك به”.
وعليه في المقابل أن يعزل نفسه لمدة 5-10 ايام حتى ينتهي الطفح ويجف السائل القيحي، ولا حاجة لأدوية إلا مخفضات الحرارة إن وجدت، ومراهم منع الحكة، فقد يحدث التهاب للطفح بحد ذاته فتنتشر عليه باكتيريا بالاضافة إلى أنه طفح فايروسي.

مدى خطورة الفيروس

والتسبب بالوفاة بسبب مرض جدري القرود ضئيل جدا ونسبته 1% وهو يحصل في ظروف معقدة كأن يكون الشخص عنده مناعة منخفضة أو يعاني من مشاكل أخرى.
كما أن “جيلنا نحن الذين ولدنا قبل العام 1980 حصل على اللقاح ضد الجدري ما يعطينا مناعة نهائية ضد عائلة ال pox”، والخشية هي على الأجيال التي ولدت بعد هذا العام، لكن المناعة الطبيعية كافية في أغلب الحالات للقضاء على المرض والوضع ليس كارثيا”.
أما في حال تأزمت الأمور أكثر، فقد يكون لقاح الجدري وقاية شاملة ما يتطلب إعادة تصنيعه واستهلاكه، يختم أديب حديثه.

المرض… والمقاربات العنصرية
وكما فيروس كوفيد-19 كرس عنصرية تجاه الصينيين، بما أنه انتشر من الصين، كرس مرض جدري القرود العنصرية على مستويين اثنين: والمستوى الأول تجاه المثليين، والمستوى الثاني بوجه الأفارقة.
ونشرت صحيفة دايلي مايل مقالا روجت فيه إلى فكرة أن انتشار مرض جدري القرود قد يكون بسبب حفل للمثليين في “جزر الكناري” جمع زهاء 80 ألف شخص.
بدوره، حذر برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس الإيدز من أن التعليقات العنصرية المسيئة والمعادية للمثليين التي تسجل أحيانًا بشأن جدري القرود قد “تقوض بسرعة جهود مكافحة الوباء”.
وتتعلق نسبة كبيرة من مئات حالات جدري القرود التي أكدتها منظمة الصحة العالمية أو السلطات الصحية الوطنية، بمثليين أو مزدوجي الميول الجنسية، كما أشار البرنامج موضحا أن العدوى تنتقل عن طريق الاتصال الوثيق بشخص مريض وبالتالي “يمكن أن يصاب به الجميع”.
من جهة أخرى، اعترض بعض المغردين على الصور التي يتم تداولها للمصابين بجدري القرود، وهي بغالبيتها تعود لأفارقة، ما اعتبروه عنصرية تجاههم، سيما وأن 15 بلدا غير إفريقي، أصيب عدد من سكانه بالفيروس.

على مستوى آخر، تداول كثيرون ورقة بحثية مشتركة بين مؤتمر ميونخ للأمن (MSC) ومبادرة التهديد النووي (NTI) كانت قد نشرت في شهر آذار/ مارس 2021 وتحدثت عن سيناريو محتمل لهجوم بيولوجي يعقبه انتشار لجدري القرود حول العالم بمنتصف أيار/ مايو 2022، كما حددت الورقة عدد الضحايا المحتمل للوباء، ما يرجح نظرية “المؤامرة” في نشر الأمراض حول العالم بهدف حروب بيولوجية ومكاسب اقتصادية.

في المحصلة، نحن أمام تجربة أخف خطورة من تجربة كورونا التي ما زالت تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية ترخي بظلالها على المجتمعات، لكن “مناعة” هذه المجتمعات تتناقص شيئا فشيئا أمام التحديات الجمة، وعلى المستوى اللبناني تحديداً، ومع المنظومة الحاكمة المستهترة بأرواح الناس، هناك دائما داع لـ”الهلع”!

0 Comments